أحمد بن محمود السيواسي

27

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

المؤمنين ، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة ، والتفضيل حقيقة لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، ومن شاء من خلقه وهو لا يظهر إلا في الآخرة بدليل قوله ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ ) نصب بقوله « تَفْضِيلًا » ، وقيل : بدل من « يَوْمَ يَدْعُوكُمْ » « 1 » ، وقيل : مفعول لفعل مقدر « 2 » ، أي اذكر يوم ندعوا كل أمة ( بِإِمامِهِمْ ) أي بما يأتمون به من نبي أو كتاب أنزل عليهم أو كتاب في أعمالهم من الخير والشر ، فيقال يا أصحاب الخير ويا أصحاب الشر أو بمقدم يجتمع الناس إليه في الخير والشر وهو رئيسهم ( فَمَنْ أُوتِيَ ) أي أعطي ( كِتابَهُ ) أي كتاب أعماله ( بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ) أي ما فيه من الحسنات ويعطون ثوابها ( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) [ 71 ] أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل وهو كناية على أدنى شيء ، وفي الأصل وسخ يفتل بين الإصبعين أو قشر في شق النواة وهي طائفة السعداء ، ولم يذكر الأشقياء وإن كانوا يقرؤون كتبهم أيضا ، لأنهم إذا نظروا فيه يأخذهم حبسة اللسان من الخوف والحياء ، فلا يظهرون قراءتهم ، فقراءتهم كلا قراءة بخلاف السعداء فإنهم يظهرون قراءتهم بأحسن قراءة وأبينها ولا يقنعون بذلك وحده حتى يقول القارئ منهم لأهل المحشر : « هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ » « 3 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 72 ] وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 72 ) ثم قال اللّه تعالى حثا على التوحيد والعمل الصالح ( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ ) الدنيا أو في النعم التي قد عاينها ولم يشكر ربها ( أَعْمى ) أي أعمى القلب عن رؤية قدرة اللّه تعالى وعن رؤية الحق أو عن الهداية ( فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ) كذلك عن إثبات الحجة أو هو بمعنى أفعل التفضيل ومن أي أشد عمى في حال الآخرة من الأعمى ، لأنه غائب عنها لم يرها ، فشك فيها بخلاف ما عاين من نعم اللّه أو أشد عمى من كونه أعمى في الدنيا ، أما الدنيا فلفقد النظر العقلي الموصل إلى المعرفة ، وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه أبدا لا بالتوبة ولا بالشفاعة ، فلذلك قال ( وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) [ 72 ] من الأعمى ، لأنه في الدنيا يقبل توبته وفي الآخرة لا يقبل توبته ، قرئ « أعمى » في الموضعين بالإمالة لكون الألف فيها طرفا ، لأنه بمعنى عام من عمي القلب وبفتحهما على الأصل وبين بين تخفيفا وبإمالة الأول وفتح الثاني عند من جعله أفعل التفضيل ومن لكون ألفه وسطا بتقدير « من » ، لأنه كالجزء منه فأشبه بألف أعمالكم ، فلا يمال ، لأن الإمالة من لواحق الطرف بخلاف الأول ، فإنه لم يتعلق به شيء فيكون ألفه في الطرف « 4 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 73 ] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( 73 ) ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) نزل حين طلب المشركون ، وهم ثقيف من رسول اللّه عليه السّلام أن يطرد الفقراء عنه ، وأطعموه في إسلامهم وأن يستلم آلهتهم وأن يجعل آية رحمة مكان آية عذاب ، فمال إلى بعض ذلك بخطور قلب لا بعزم منه « 5 » ، فقال تعالى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك ويصرفوك ( عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) أي عن القرآن ( لِتَفْتَرِيَ ) أي لتخلق ( عَلَيْنا غَيْرَهُ ) أي غير القرآن بالتبديل كما طلبوا منك ( وَإِذاً ) أي ولو اتبعت مرادهم ( لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) [ 73 ] أي وليا وصفيا وحينئذ خرجت من ولايتي ودخلت في عداوتي . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 74 ] وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( 74 ) ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ) على الحق بالعصمة والحفظ ( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ ) أي لقاربت بأن تميل ( إِلَيْهِمْ ) أي إلى مرادهم ( شَيْئاً قَلِيلًا ) [ 74 ] وفيه دليل على أن النبي عليه السّلام قد عصم ولم يمل إليهم في شيء ما بالقلب ، وهذا الكلام تهييج من اللّه له وفضل تثبيت على الحق وعدم الميل إليهم .

--> ( 1 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) الحاقة ( 69 ) ، 19 . ( 4 ) « أعمى » : الأول بالإمالة للأصحاب وشعبة والبصري ويعقوب وبالتقليل لورش بخلف عنه ، و « أعمى » الثاني للأصحاب وشعبة بالإمالة ، ولورش بالتقليل بخلف عنه . البدور الزاهرة ، 189 . ( 5 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 188 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 512 - 513 .